محمد بن جرير الطبري
116
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ قال : هو شاهد على نفسه ، وقرأ : اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً . ومن قال هذه المقالة هو شاهد على نفسه يقول : أدخلت الهاء في قوله بَصِيرَةٌ وهي خبر للإنسان ، كما يقال للرجل : أنت حجة على نفسك ، وهذا قول بعض نحويي البصرة . وكان بعضهم يقول : أدخلت هذه الهاء في بصيرة وهي صفة للذكر ، كما أدخلت في راوية وعلامة . وقوله : وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ اختلف أهل الرواية في معنى ذلك ، فقال بعضهم : معناه : بل للإنسان على نفسه شهود من نفسه ، ولو اعتذر بالقول مما قد أتى من المآثم ، وركب من المعاصي ، وجادل بالباطل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ يعني الاعتذار ، ألم تسمع أنه قال : لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وقال الله : " وألقوا إلى الله يومئذ السلم ما كنا نعمل من سوء " وقولهم : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا سفيان ، عن موسى بن أبي عائشة ، عن سعيد بن جبير ، في قولة : بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ قال : شاهد على نفسه ولو اعتذر . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ ولو جادل عنها ، فهو بصيرة عليها . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن عمران بن جدير ، قال : سألت عكرمة ، عن قوله : بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ قال : فسكت ، فقلت له : إن الحسن يقول : ابن آدم عملك أولى بك ، قال : صدق . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ قال : معاذيرهم التي يعتذرون بها يوم القيامة فلا ينتفعون بها ، قال : يوم لا يؤذن لهم فيعتذرون ويوم يؤذن لهم فيعتذرون فلا تنفعهم ، ويعتذرون بالكذب . وقال آخرون : بل معنى ذلك : بل للإنسان على نفسه من نفسه بصيرة ولو تجرد . ذكر من قال ذلك : حدثني نصر بن علي الجهضمي ، قال : ثني أبي ، عن خالد بن قيس ، عن قتادة ، عن زرارة بن أوفي ، عن ابن عباس في قوله : وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ قال : لو تجرد . وقال آخرون : بل معنى ذلك : ولو أرخى الستور وأغلق الأبواب . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن خلف العسقلاني ، قال : ثنا رواد ، عن أبي حمزة ، عن السدي في قوله : وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ ولو أرخى الستور ، وأغلق الأبواب . وقال آخرون : بل معنى ذلك : وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ لم تقبل . ذكر من قال ذلك : حدثني نصر بن علي ، قال : ثني أبي ، عن خالد بن قيس ، عن قتادة ، عن الحسن : وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ لم تقبل معاذيره . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ قال : ولو اعتذر . وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب قول من قال : معناه : ولو اعتذر لأن ذلك أشبه المعاني بظاهر التنزيل ؛ وذلك أن الله جل ثناؤه أخبر عن الإنسان أن عليه شاهدا من نفسه بقوله بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ فكان الذي هو أولى أن يتبع ذلك ، ولو جادل عنها بالباطل ، واعتذر بغير الحق ، فشهادة نفسه عليه به أحق وأولى من اعتذاره بالباطل . القول في تأويل قوله تعالى : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : لا تحرك يا محمد بالقرآن لسانك لتعجل به . واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله قيل له : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ فقال بعضهم : قيل له ذلك ، لأنه كان إذا نزل عليه منه شيء عجل به ، يريد حفظه من حبه إياه ، فقيل له : لا تعجل به فإنا سنحفظه عليك . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا سفيان بن عنية ، عن عمرو بن دينار ، عن سعيد بن حبير ، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا